مصر وبريطانيا.. تنسيق استراتيجي في لحظة إقليمية حرجة
في توقيت بالغ الحساسية إقليميًا ودوليًا، جاء الاتصال الهاتفي بين وزير الخارجية الدكتور بدر عبد العاطي ونظيرته البريطانية إيفيت كوبر ليعكس إدراكًا مشتركًا لحجم التحديات التي تمر بها المنطقة، وأهمية التنسيق السياسي بين القاهرة ولندن كقوتين فاعلتين في ملفات الشرق الأوسط والأمن الدولي. فالتحركات الدبلوماسية في مثل هذه اللحظات لا تُقرأ باعتبارها مجرد مشاورات بروتوكولية، بل باعتبارها رسائل سياسية واضحة حول اتجاهات التهدئة وإدارة الأزمات.
العلاقات المصرية البريطانية شهدت خلال السنوات الأخيرة تطورًا ملحوظًا، مدعومًا بإرادة سياسية لتعزيز التعاون في مجالات الاقتصاد والاستثمار والتجارة. ويكتسب هذا المسار أهمية خاصة في ظل التحولات الاقتصادية التي تشهدها مصر، وما رافقها من إصلاحات هيكلية عززت مناخ الاستثمار وفتحت آفاقًا جديدة أمام الشراكات الدولية. ومن هنا، فإن التركيز على زيادة الاستثمارات البريطانية لا يمثل فقط بُعدًا اقتصاديًا، بل يعكس ثقة متنامية في السوق المصرية ودورها كمحور إقليمي للتجارة والطاقة والخدمات.
غير أن البعد الأهم في الاتصال تمثل في مناقشة مستجدات الأوضاع الإقليمية، في ظل تصاعد التوترات وتداخل الأزمات من غزة إلى السودان مرورًا بالملف النووي الإيراني. فقد استعرض وزير الخارجية التحركات المصرية المكثفة لخفض التصعيد واحتواء التوتر، مؤكدًا أن المسار الدبلوماسي يظل الخيار الأكثر واقعية للحفاظ على استقرار المنطقة. وتأكيد القاهرة على ضرورة التوصل إلى تسوية توافقية بشأن الملف النووي الإيراني يعكس رؤية متوازنة تقوم على معالجة شواغل جميع الأطراف، بما يمنع انزلاق المنطقة إلى مواجهات مفتوحة لا تخدم أحدًا.
وفيما يتعلق بقطاع غزة، فإن الطرح المصري يرتكز على مقاربة شاملة لا تقتصر على وقف إطلاق النار، بل تمتد إلى تثبيت الاستقرار وتهيئة الأرضية لإعادة الإعمار. دعم اللجنة الوطنية لإدارة غزة، ونشر قوة استقرار دولية، وضمان تدفق المساعدات الإنسانية، كلها عناصر تعكس تصورًا متكاملًا لإدارة المرحلة التالية، بعيدًا عن الحلول المؤقتة. كما أن التأكيد على ضرورة إيجاد أفق سياسي يعيد الاعتبار لحل الدولتين يبرز تمسك مصر بثوابتها التاريخية تجاه القضية الفلسطينية، بوصفها حجر الزاوية في أمن واستقرار المنطقة.
أما الملف السوداني، فيمثل اختبارًا إضافيًا لفاعلية التحرك الإقليمي. فالتشديد على هدنة إنسانية تمهد لوقف شامل لإطلاق النار، وإطلاق عملية سياسية ذات ملكية سودانية، يعكس حرص القاهرة على تجنب سيناريوهات التفكك والفوضى في دولة جوار ترتبط معها بعلاقات تاريخية ومصالح استراتيجية. كما أن الدعوة إلى إنشاء ممرات إنسانية آمنة وضمان وصول المساعدات دون عوائق يؤكد البعد الإنساني في التحرك المصري، بالتوازي مع احترام سيادة السودان ووحدته وسلامة أراضيه.
إن أهمية هذا الاتصال لا تكمن فقط في مضامينه، بل في دلالاته. فهو يؤكد أن مصر تتحرك كطرف محوري يسعى إلى بناء جسور التفاهم مع القوى الدولية المؤثرة، وأن لندن تدرك بدورها أن استقرار الشرق الأوسط لا يمكن فصله عن الدور المصري. وفي ظل تشابك الملفات وتعقيدها، يصبح التنسيق السياسي أداة أساسية لتقليل المخاطر وفتح مسارات للحلول.
في المحصلة، يعكس الحوار المصري البريطاني إدراكًا مشتركًا بأن المنطقة تقف عند مفترق طرق، وأن المسؤولية تفرض تحركًا جماعيًا يوازن بين متطلبات الأمن وضرورات التنمية. وبينما تتسارع الأحداث، يبقى الرهان على الدبلوماسية الفاعلة والتنسيق المستمر كأقصر الطرق لتجنيب المنطقة مزيدًا من الاضطراب، وترسيخ معادلة الاستقرار التي تتطلع إليها شعوبها.




